القاضي عبد الجبار الهمذاني
349
المغني في أبواب التوحيد والعدل
قيل له : إن الظن وإن كان هو المعتبر ، فإنما يقتضي حسن الضرر « 1 » متى تعلق بنفع مخصوص ودفع ضرر مخصوص ، فيحسن لأجله متى كان بهذه الصفة ، ومتى لم يكن كذلك ، كان وجوده كعدمه لما قد قدمناه من الدلالة الموجبة للفصل بين الظنين . يبين ذلك أن الظن عند فقد العلم يقوم مقامه ؛ فإذا كان متى علم نفعا زائدا على المضرة حسنت عنده ، وإذا علم نفعا دونها قبحت عنده ، وافترق حال ما يحسن ويقبح عند هذين العلمين لاختلافهما فيما تعلقا به ، فكذلك القول في الظنين الواقعين موقعهما . فإن قال : إن الّذي ذكرتموه يؤكد ما سألته ، لأنكم عند العلم حكمتم بحسن المضرة لا للعلم ، لكن للمعلوم الّذي هو النفع ودفع المضرة ، وأخرجتم العلم من أن يعتبر في هذا الباب فبأن لا يعتبر بالظن الّذي هو أضعف منه أولى . قيل له : إن عند العلم يعلم أنه قارن المضرة للعلم ، فكذلك قد قارنها النفع . وإذا حصلا جميعا وكان حال النفع هو المعتبر في حسن المضرة دون حال العلم ، وجب أن يحسن لأجله ولم يكن بالعلم اعتبار ، وإن كان لا بد منه لنفع الفعل على الوجه الّذي يحسن عليه على ما تقدّم القول به . وليس كذلك حال تحمل عند ظن النفع ودفع الضرر ؛ لأنه قد علم مقارنة الظن له ، ولم يعلم مقارنة المظنون . وإذا علم حسنه عند ذلك ، لم يمكن صرف حسنه إلى أنه لأجل المظنون . فأوجبنا القول بأنه حسن لأجل الظن وإن كان لا بد من كونه متناولا لمظنون مخصوص ويفارق بذلك ما خالفه من الظنون . فلذلك قلنا في هذا الوجه إنه بالظن يحسن ، وفي الوجه الأول إنه للنفع يحسن دون العلم به . وذلك لا يمنع من حمل الظن على العلم من حيث / علمنا أنه لا بد من حسن المضرة عند هذا العلم ، كما نعلم حسنها عند هذا
--> ( 1 ) أي يقتضي اعتبار الضرر حسنا .